العودة للخلف

5) قاعدة (الواجب يسقط بالعجز) وقاعدة (والضرورات تبيح المحظورات)

تاريخ النشر: 22 / 09 / 2026
: 1

قاعدتان: (الواجب يسقط بالعجز) . (والضرورات تبيح المحظورات)

قال الناظم رحمه الله:

16- وَلَيْسَ وَاجِبٌ بِلَا اقْتِدَارِ


 

وَلَا مُحَرَّمٌ مَعَ اضْطِرَارِ


اشتمل البيت على قاعدتين فقهيتين كل منهما يندرج تحت القاعدة السابقة.

القاعدة الأولى: (لا واجب مع عدم القدرة) أو (الواجب يسقط بالعجز)، أو (الأمر إذا ضاق اتسع).

القاعدة الثانية: (الضرورات تبيح المحظورات).

قال ابن تيمية: «ومن الأصول الكلية أن المعجوز عنه في الشَّرع ساقط الوجوب، وأن المضطر إليه بلا معصية غير محظور، فلم يوجب الله ما يعجز عنه العبد، ولم يحرِّم ما يضطر إليه العبد».

وقال ابن القيم: «ومن قواعد الشرع الكليَّة: أنَّه لا واجب مع عجز، ولا حرام مع ضرورة».

* ألفاظ البيت:

وليس واجب: النفي لتعلُّق ذلك الواجب بالذمة عند العجز وعليه فلا يأثم بتركه، وليس النفي لرفع الحكم بالكلية، بل بحسب الدرجات التي سيأتي ذكرها.

واجب: هو ما أمر به الشارع أمر إلزام بحيث يأثم بتركه.

اقتدار: القدرة: اسمٌ لهيئةٍ بها يُتمكّن من فعْل شيءٍ مَا. قَدرتُ على الشيء أقدرُ: قويتُ عليه وتمكنْتُ منه. وسائر واجبات الشريعَة داخلةٌ تحت قُدرَةِ المكلَّف من حيث هي، لكن قد يَعرض للمكلَّف أو للمكلَّف به ما يتعذَّر أو يَشقّ معَه الامتثال، فلهذا شرَط الشارعُ للوجوب على المعيَّن: قُدرته واستطاعته، وما جعَل على المكلَّفين في الدِّين من حرَج، فجميع العبادات مبنيَّة على القدرة والاستطاعة.

بلا اقتدار: عدم القدرة إما أن تتعلق بالمكلف به أي لا يجده كما لو لم يجد الماء ليتطهر به، أو لم يجد سِنًا يضحي به، أو لم يجد في بلده مَن يقبل الصدقة. وإما أن تتعلق بالعبد المكلف كما لو لم يقدر على استعمال الماء، أو لم يقدر على القيام والركوع. لكن قد يكونُ المكلّف به له وجه مالي فلا يَقدر ببدنه لكن يَقدر بماله كالحجِّ والجهاد فإنَّه يجب عليه بماله. فيُنيب في الحجِّ. ويجاهد بماله.

ولا: معنى النفي: أنه لا يأثم بفعل المحرم المضطر إليه أو ترك الواجب المضطر إلى تركه. ونفي الإثم أي: في حق الله تعالى. وأما الضمان فإن الضرورة لا تسقطه ولهذا يذكرون من القواعد (الاضطرار لا يبطل حق الغير مطلقًا).

محرم: هو ما نُهي عنه في الشرع على سبيل الإلزام بالترك، بحيث يأثم بفعله. والنظم يشمل: فعل محرم لأجل الضرورة، وأيضًا ترك واجب لأجل الضرورة.

اضطرار: معنى الضرورة المشهور: حاجة شديدة ملحَّة تنزل بالعبد تتعلّق بنفسه أو بدنه أو ماله أو عِرضه أو عقله فتلجئه إلى تناول محرَّم بحيث لا يمكنه الاستغناء عنه بغيره. وحاصله: ما لا يمكن استغناء المكلَّف عنه.

* المعنى الإجمالي:

أنّ القدرة شرطٌ في التكليف فمن لم يقدر على تكليفٍ ما من التكاليف فإنه لا يجب عليه ولا يأثم بتركه، وهذا محل إجماعٍ من أهل العلم.

وهكذا إذا اضطر العبد إلى محرمٍ فإنه في هذه الحالة -حالة الاضطرار- لا يأثم بتناول هذا المحرم، وهذا أيضًا متفقٌ عليه.

* أدلة القاعدة:

يدلّ عليها الكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب فكقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. ومن السنة ما في البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول : «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ». وكل أدلة رفع الحرج تدل على هاتين القاعدتين.

والناظم رحمه الله يذكرُ في الشرح اتفاق أهل العلم. وقد حكاهُ ابن تيمية فقال: «والشَّريعة طافحة بأن الأفعال المأمور بها مشروطة بالاستطاعة و القدرة، وقد اتفق المسلمون على أنَّ المصلِّي إذا عجز عن بعض واجباتها كالقيام أو القراءة أو الركوع أو السُّجود أو ستر العورة أو استقبال القبلة أو غير ذلك: سقط عنه ما عجَز عنه، وإنما يجب عليه ما إذا أراد فعله إرادةً جازمةً أمْكنهُ فعله، وكذلك الصيام اتفقوا على أنه يسقط بالعجز عن مثل الشيخ الكبير والعجوز الكبير الذين يعجزون عن أداء وقضاء، وإنما تنازعوا هل على مثل ذلك الفدية بالإطعام فأوجبها الجمهور كأبي حنيفة والشافعي وأحمد ولم يوجبها مالك، وكذلك الحج فإنَّهم أجمعوا على أنه لا يجب على العاجز عنه».

ومن أدلة القاعدة الثانية:

قوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119]

وقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 3]

* أحوال المكلف عند عدم القدرة على ما كُلِّف به:

1- أن يكون له بدل في الشرع: والحكم أنه ينتقل إلى بدله. وقد ذكروا هنا قاعدة وهي (إذا تعذّر الأصْل وكان له بدل: يُصار إلى البدل). وقواعد البدل ستأتي في الكتاب الثاني (القواعد الجامعة)، والثالث (قواعد ابن رجب) إن شاء الله.

تنبيه: البدَل: قد يكونُ مرتّبًا مثل التيمُّم بدلًا عن الغسل. وقد يكون مخيّرًا كالصوم بدلًا عن العتق في الكفارة.

2- أن يتبعَّض وهو قادر على بعضه: فقد يجب فعل ذلك البعض، وهذا داخل تحت القاعدة الآتية وهي: (الميسور لا يسقط بالمعسور) وسيأتي الكلام عليها.

3- أن يسقط عنه بالكلية.

* شروط الضرورة:

1- صدْق الضرورة بأن تكون قائمة، لا متوهمة، أو متوقَّعة.

2- أن لا تندفع الضرورة إلا بتناول هذا المحرَّم، بحيث لا يكون هناك وسيلة أخرى مباحة تندفع بها ضرورته.

3- أن تزول الضرورة به، فإن لم تندفع به فإنه يبقى على التحريم، ولو شككنا: هل تندفع أو لا؟ فيبقى على التحريم لأن ارتكاب المحظور مفسدة متيقَّنة، واندفاع الضرورة مشكوك فيه، ولا يُنتهك المحرَّم المتيقَّن لأمر مشكوك فيه.

4- أن يكون الإقدام على المحرَّم أنقص من البقاء على الضرورة، وقد شرطه بعضهم في نص القاعدة، فقال: (الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها)، فلو كان ارتكاب المحرم أعظم من مجرَّد الضرورة فلا يُرتكب، ومما قالوا من القواعد: (يُرتكب أهون الضّررين)، و (الضَّرر الأشد يُزال بالأخف)، ومثلوا له: بأن يضطر لقتل مسلم لينجو من القتل، فلا يحلّ له قتله.

5- أن تُقدّر الضرورة بقدرها. وهذه قاعدة ستأتي.

تنبيه: قد تكون الضرورة مُدّعاة مثل دعوى جواز شرب الخمر للاستشفاء ضرورةً والنبي لما سأله طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ عَنِ الْخَمْرِ، فَنَهَاهُ - أَوْ كَرِهَ - أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ».

* من مسائل القاعدة وتطبيقاتها:

- جواز تكلُّم المكره بكلمة الكفر عند الإكراه والتعذيب، وقلبه مطمئن بالإيمان.

- جواز أكل مال الغير للمُضطر بدون إذن مع أنَّه مِن أكل أموال الناس.

- جواز نكاح الإماء عند خوف العنَت.

- جواز كشف العورة للطبيب لإنقاذ النفس من الهلاك. كالتوليد.

- تأخير الواجب عن وقته المشروط لأجل الضرورة.

- أكل الميتة لمن لم يجد غيرها وخشي الموت من الجوع .

- دفع الصائل المعتدي الظالم بمقاتلته ولو أدى ذلك إلى قتله.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح